الشيخ محمد هادي معرفة
43
تلخيص التمهيد
إعجاز القرآن قدّمناه آنفاً - : وهذه الجملة المذكورة ، وإن كانت دالّة على كون القرآن معجزاً ، فليس بمقنع إلّابتبيين فصلين : أحدهما : أن يبيّن ما الذي هو معجز : اللفظ أم المعنى أم النظم ؟ أم ثلاثتها ؟ فإنّ كلّ كلام منظوم مشتمل على هذه الثلاثة . والثاني : أنّ المعجز هو ما كان نوعه غير داخل تحت الإمكان ، كإحياء الموتى وإبداع الأجسام . فأمّا ما كان نوعه مقدوراً ، فمحلّه محلّ الأفضل ، وما كان من باب الأفضل في النوع فإنّه لا يحسم نسبة ما دونه إليه . وإن تباعدت النسبية حتّى صارت جزءً من ألف ، فإن النجّار الحاذق وإن لم يبلغ شأوه لا يكون معجزاً إذا استطاع غيره جنسَ فِعْلِه ، فنقول وباللَّه التوفيق : إنّ الإعجاز في القرآن على وجهين : أحدهما إعجاز متعلّق بفصاحته ، والثاني بصرف الناس عن معارضته . فأمّا الإعجاز المتعلّق بالفصاحة : فليس يتعلّق ذلك بعنصراه الذي هو اللفظ والمعنى ، وذاك أنّ ألفاظه ألفاظهم ، ولذلك قال تعالى : « قُرْآناً عَرَبِيًّا » « 1 » وقال : « ألم . ذلِكَ الْكِتابُ » « 2 » تنبيهاً أن هذا الكتاب مركّب من هذه الحروف التي هي مادّة الكلام . ولا يتعلّق أيضاً بمعانيه ، فإن كثيراً منها موجود في ( الكتب المتقدّمة ) ولذلك قال تعالى : « وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ » « 3 » وقال : « أَ وَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى » « 4 » . وما هو معجز فيه من جهة المعنى كالإخبار بالغيب فإعجازه ليس يرجع إلى القرآن بما هو قرآن ، بل
--> ( 1 ) . يوسف : 2 . ( 2 ) . البقرة : 1 و 2 . ( 3 ) . الشعراء : 196 . ( 4 ) . طه : 133 .